هل ولدت لتكون منجز أعمال عبر الانترنت؟

كثيراً ما يسألني المهتمون ممّن ما يزالون ملتزمين بالعمل كموظّفين بدوام كامل: هل تنصحنا بالاستقالة من الوظيفة و التفرّغ لـ العمل الحر عبر الانترنت بشكل كلّي؟!

و أحياناً يصلني نفس السؤال من غير الموظّفين أيضاً، خصوصاً من الخريجين الجدد، فتجدهم يتساءلون: هل العمل الحر عبر الانترنت أفضل أم البحث عن وظيفة بدوام كامل، و بماذا تنصحنا؟

و الحقيقة، أنّني أتفادى معظم الأوقات إعطاء إجابات مباشرة عن هذه الأسئلة و أتركها للسائلين هم أنفسهم بعد أن أعطيهم تعريفاً بسيطاً بإيجابيات العمل الحر على الانترنت، و سلبياته، و فرصه الواعدة، و مخاطره أيضاً، و ذلك لأنّني على قناعة أنّنا كبشر نختلف فيما بيننا بالمهارات، و الطباع، و الصفات، فلا توجد إجابة واحدة تنطبق على الجميع، و ما يصلح لي قد لا يصلح لغيري، و قد لا يصلح لي أنا نفسي في ظروف مختلفة، و هذا السبب الأول.

أمّا السبب الثاني و الأهمّ برأيي أنّ الإقدام على العمل الحر يحتاج بصراحة إلى شجاعة و جرأة كبيرتين قد تبدوان أوّل الأمر تهوّراً لبعض الناس، لذلك فالأفضل توضيح الأمور و ترك الإجابة للسّائل، فهو الأعلم بنفسه، و طباعه، و ظروفه.

و هذا المنهج نفسه، هو ما سنحاول السير عليه معاً في الفقرات التالية، مستعرضين إيجابيّات العمل الحرّ عبر الانترنت، و سلبيّاته، و فرصه المتاحة، و مخاطره، على أمل أن تجد بعدها إجابة واضحة إن كنت قد ولدتَ لتكون منجز أعمال عبر الانترنت أم لا!

إيجابيّات العمل الحرّ عبر الانترنت و فرصه المتاحة

· رفاهيّة الانتقائية: على خلاف الوظيفة التقليديّة، يتيح لك العمل الحر أن تكون انتقائياً، بحيث لا تعمل إلا مع عميل ترتاح في العمل و التعامل معه، و بحيث لا تتعاقد إلا على مشروع تحبّه و تملك المهارات اللازمة لإنجازه بجودة عالية، و بحيث تعمل في الوقت الذي تريده، و المكان الذي يناسبك، و كلّ ما سبق خيارات غير متاحة في الوظيفة التقليدية على الإطلاق إذا لم تكن تعدّ ضرباً من ضروب الرفاهيّة.

· زيادة الإنتاجية: كونك ستعمل على مشاريع تحبها، و تملك المهارات اللازمة لإنجازها بجودة عالية، و في ظروف و بيئات و أوقات مثلى بالنسبة لك، و أنت من يحددها، فستكون إنتاجيتك أعلى بالتأكيد.

· الفرصة لتحقيق دخل أعلى: على عكس الوظيفة التقليدية ذات الدخل الثابت الذي لا يتغيّر في الغالب إلا بنسب طفيفة لا تكاد تذكر مهما ازدادت ساعات عملك أو تضاعف جهدك، يوفر لك العمل الحر عبر الانترنت فرصة ذهبية لتحقيق دخل مرتفع قد لا تصدق أنّ أحداً يستطيع تحقيقه حتّى يحدث ذلك معك أنت شخصياً و تراه بأمّ عينيك واقعاً تعيشه، خصوصاً إذا يسّر الله لك و استطعت بناء سمعة طيبة بعد مدّة من دخولك إلى سوق العمل الحر عبر الانترنت، و هذه تجربة مررت بها شخصياً. [1]

· التمتع بدخل غير خاضع للضريبة[2]: في معظم دولنا العربية لا يتم اعتبار الدخل الذي تتحصّل عليه من العمل الحر عبر الانترنت دخلاً خاضعاً للضريبة، و ذلك لكونك تتحصّل عليه في الغالب من جهات خارجيّة (غير مقيمة في دولتك)، و ذلك على عكس الراتب الذي تتقاضاه في الوظيفة التقليدية، و الذي تخصم ضريبة الدخل منه آلياً و بشكل غير طوعي قبل أن يصلك أصلاً في الغالب. (تأكيد: يرجى قراءة إخلاء المسؤولية في الهامش رقم ٢)

· العمل لفترات أقل: كونك صاحب القرار فيما يتّصل بأوقات عملك، فسيكون العمل لساعات أقل خياراً متاحاً لك بسهولة إذا أحببت أن تكتفي بساعات محددة يومياً، أو أسبوعيّاً مثلاً.

· التركيز على جوهر العمل، و التحرر من قشوره: في العمل الحر عبر الانترنت، لن يهمّ عميلك على الإطلاق إذا كنت ترتدي بدلة رسميّة و ربطة عنق أثناء عملك على مشروعه، و لن يهمه في الغالب ساعات تواجدك أمام شاشتك، و بالتالي فالتركيز كلّه على الإنجاز، و من هنا رأينا اجتراح ترجمة منجز أعمال، ليكون مقابلاً للمصطلح الأصلي Freelancer.

· التخلّص من سايكوباثيّة مديرك و هوسه بالإدارة المصغّرة: في العمل الحر عبر الانترنت، لن تعود مضطراً للتعايش مع مديرك السيكوباثي[3]، و ملاحقته إياك على كل صغيرة و كبيرة، و سؤاله إياك كل خمس دقائق عمّاهيّة ما تقوم به!

كما لن تعود مضطرّاً للعمل لساعات مضاعفة و خارج أوقات دوامك الرسميّ بهدف التسليم في تواريخ تسليم غير واقعيّة اضطررت لقبولها لا لشيء سوى لأنّ مدير المنتج Product Manager في فريقك قطع وعوداً بشأنها ثمّ رمى فوق رأسك قائمة لا تنتهي من المهمات لتنجزها ليفي بما وعد، بل ستكون ببساطة سيّد نفسك في إدارة مهامك و تحديد مواعيد تسليمك بشكل أكثر واقعيّة أنت الأدرى به.

· توفير وقت المواصلات: قبل تفرّغي بشكل تام للعمل الحر عبر الانترنت من مكتبي المنزلي (غرفة في المنزل حوّلتها لمكتب خاص بي للعمل الحرّ عبر الانترنت)، كنت أقرأ الإحصائيّات عن الوقت الذي نضيعه من أعمارنا في المواصلات بين المنزل و مكان العمل يومياً، لكنّني لم أكن أشعر بالمعنى المقصود بشكل تامّ و دقيق، لأنّني غالباً كنت أستغلّ هذا الوقت في نشاطات تعليميّة كالاستماع لبود كاست مثلاً أثناء قيادة سيارتي الخاصة، أو قراءة كتاب في حال استخدامي للمواصلات العامة، لكن بعدما جرّبت، تيقّنت أنّ ربع يومي أو أكثر مهدور على الطرقات، و في وسائل المواصلات، و ما أطول اليوم و أشدّ بركته عندما يكون طريقك إلى عملك هو مجرّد الانتقال من غرفة نومك إلى مكتبك المنزلي في الغرفة المجاورة، دون أن يأثر هذا على أوقات القراءة التي ستزداد حتماً.

العمل من أيّ مكان: لطالما رغبت في العيش في دولة أخرى، أو مدينة أخرى ضمن نفس الدولة، لكنّني كنت مضطراً للبقاء في المدينة ذاتها، و الدولة ذاتها التي تقع فيها الشركة التي وظّفتني لسنوات و سنوات، و في حال غيّرت شركتي لاحقاً إلى شركة في مكان آخر بمحض إرادتي، أو مجبراً، فإنّني في الحالين سأكون مضطراً لتغيير مكان إقامتي، و قد حدث معي هذا من قبل في أكثر من مدينة، و في أكثر من دولة، أمّا مع العمل الحرّ عبر الانترنت فالمكان غير مهم إطلاقاً، إنّما المهمّ أحياناً هو إيجاد ساعات مشتركة بينك و بين صاحب المشروع في حال كنتما تقعان في منطقتين زمنيتين مختلفتين، و كان من النوع الذي يحب التواصل بكثرة، أو كانت طبيعة المشروع تتطلب هذا النوع من التواصل.

سلبيّات العمل الحرّ عبر الانترنت و تحدياته

· عدم اليقين بالدخل الشهري: في هذه الناحية، يتشابه العمل الحرّ مع التجارة، حيث أنّك قد تحقق عشرات آلاف الدولارات في شهر واحد إن وفقك الله لذلك، و قد تمرّ عليك أشهر دون تحقيق دخل أيضاً، و كلا الحالين واقعيين، و يجب أن تكون مستعداً لمواجهتهما في مسيرتك.

و لعلّ هذا السبب هو السبب الأهمّ الذي يدفع السواد الأعظم من الناس إلى التمسّك بالوظيفة، بدلاً من تأسيس عملهم الخاص، أو الانتقال للعمل الحرّ، و لهذا ذكرته كأوّل و أهمّ سلبيّة من سلبيات العمل الحرّ، و لعلّه من المناسب أن نذكّر هنا بإحدى مقولات بيل جيتس الشهيرة: “لا يملك الناس الصبر لمدّة ثلاث سنوات يستغرقها تأسيس مشروعهم الخاص، في حين أنّهم يملكون صبراً للذهاب إلى الوظيفة كلّ يوم و على مدى أربعين عاماً”.

· فقدان امتيازات الوظيفة الإضافيّة: في بعض الشركات، ثمّة امتيازات إضافيّة تعطى للموظفين أحياناً، كالتأمين الصحّي، أو المكافآت السنويّة، أو الإجازات السنوية مدفوعة الأجر، و غير ذلك ممّا لن يكون متاحاً لك في العمل الحرّ عبر الانترنت.

· اهتلاك الأدوات: عندما تقرر العمل بشكل حر عبر الانترنت سيتعيّن عليك تأمين اتصال جيّد بالانترنت، و تأمين جهاز للعمل (كمبيوتر محمول غالباً)، و على عكس الوظيفة التي تتحمّل فيها الشركة مسؤولية تأمين هذه الأدوات و استبدالها و تحديثها بشكل دوري عند الحاجة، ستكون هذه مسؤوليتك أنت في العمل الحر من الناحيتين اللوجستيّة و الماديّة.

· الحاجة للتعلم المستمرّ: في حين أنّك بحاجة لبضع أسابيع للتأقلم مع الوظيفة التقليدية و تعلّم المطلوب منك نظراً لعدم تغير متطلّبات العمل عادة، إضافة لتحميل كل موظف جزءاً صغيراً منها في الغالب، فإنّ الحال ليست كذلك نهائيّاً في العمل الحرّ، لأنّك ستحتاج للبقاء مواكباً للسوق، و متطلّباته، و المهارات الأكثر طلباً حسب المجال الذي ستعمل به، ففي بعض المجالات ربما تكون بحاجة لتحديث مهاراتك كل ثلاث أو أربع سنوات، و في مجالات أخرى ربما تكون بحاجة لتحديث مهارات بشكل ربع أو نصف سنوي.

· أنت المسؤول عن كل شيء: على عكس الوظيفة التقليدية، أنت بحاجة في العمل الحرّ عبر الانترنت لتعلّم مهارات جديدة إضافة لمهارات الخدمات التي ستقدمها، فالتفاوض مع أصحاب المشاريع، و التواصل معهم، و التسويق لنفسك، و تنظيم وقتك، و إدارة مشاريعك، و غير ذلك … ما هي إلا أمثلة بسيطة لجزء من مسؤولياتك الجديدة التي قد تكون أموراً لا تلقي لها بالاً في الوظيفة التقليدية.

· ثقافة المجتمعات العربية: لنكن واقعيين و نعترف أن مجتمعاتنا العربيّة ما تزال بحاجة لبعض الوقت لتقبّل فكرة العمل الحرّ عبر الانترنت، و أنّه “عمل” حقيقي و ليس مضيعة للوقت أو ضرباً من ضروب الاحتيال كما قد يظن بعض الناس في مجتمعاتنا، خصوصاً من الأجيال الأكبر سنّاً.

· التواجد في المنزل دائماً: مع أنّنا ذكرنا هذه النقطة نفسها في الإيجابيّات، إلّا أنّنا نعود و نذكرها في السلبيّات لسببين، الأوّل أنّك ستتواجد في المنزل أثناء أوقات العمل، و خارجها، ممّا قد يتسبب في بعض الاضطرابات النفسيّة إن لم تكن من النوع الذي يحب ذلك، أو لم تحرص على ممارسة نشاط خارجي بشكل منتظم، و السبب الثاني هو عدم القدرة على الفصل بين الحياة الشخصيّة و العمل أحياناً، خصوصاً إن كنت تعيش في منزل به أطفال.

و الآن، أيّ الطريقين يا صديقي؟

و الآن، و بعد أن أوضحنا في الصفحات السابقة إيجابيات العمل الحر و فرصه المتاحة، و سلبيّاته و تحدّياته، فأغلب الظنّ أنّك أصبحت قادراً على إعطاء إجابة نهائيّة أو شبه نهائيّة عمّا إذا كان العمل الحرّ عبر الانترنت هو الطريق الأنسب لك أنت أم الوظيفة التقليديّة ما تزال طريقك الأنسب.

نصيحة: ربّما يكون من الأجدر في السنوات الأولى من رحلة العمل الحرّ عبر الانترنت اختيار طريق وسط بحيث تزاوج بين الوظيفة التقليدية و العمل الحرّ عبر الانترنت في آنٍ معاً كما يفضّل كثيرون[4]، خصوصاً إذا كنت ما تزال غير ملتزم بعائلة أو أطفال بحيث يمكنك مثلاً أن تعمل في الوظيفة بدوام كامل، و تجرّب العمل الحرّ بدوام جزئي.

من كتاب

العمل الحرّ عبر الانترنت، الخطوة الأولى نحو الحريّة الماليّة

لـ مختار سيّد صالح

الهوامش:

[1] حققت بفضل و توفيق من الله في سنة واحدة من سنواتي الأخيرة في العمل الحرّ عبر الانترنت دخلاً إذا قسناه بالأرقام، فهو رقم من المستحيل أن أحقق نصفه من رواتب وظيفتي التقليدية، هذا مع العلم أنني كنت موظفاً بأدوار عالية و قياديّة ذات رواتب مرتفعة كما ذكرت في مقدّمة الكتاب، لكن و لأكون صادقاً أيضاً و أعطي الصورة الكاملة، فقد عشت في العمل الحرّ عبر الانترنت سنوات صعبة مالياً أيضاً.

[2] إخلاء للمسؤولية: لست محامياً متخصصاً، و لا خبير ضرائب، و لذلك نصيحتي لك أن تستشير محامياً على دراية كافية بقوانين بلدك للتأكد من صحّة المعلومة ١٠٠٪ بالنسبة للبلد الذي تعيش فيه، و ذلك لأنني ذكرت هذه المعلومة من باب غلبة الظنّ و بناءاً على تجربتي أنا في الدول المختلفة التي عشت فيها.

[3] ينظر المرجع.

[4] أمضيت أكثر من ١٠ سنوات في خيار هجين يجمع بين العمل الحرّ و الوظيفة التقليديّة بحيث أعتمد على الوظيفة التقليدية في الأساسيّات، و أعتمد على العمل الحرّ للكماليّات أو للتوفير، قبل أن أتخلّى عن الوظيفة كليّاً و أتفرّغ للعمل الحرّ و ريادة الأعمال بشكل تام.

منصة العمل الحر للناطقين باللغة العربيّة